
د. سفر الحوالي وأبناؤه ومقربوه.. 8 سنوات من الاعتقال والانتقام والأحكام المشددة
ثمانية أعوام مضت منذ أن بدأت، في يوليو/تموز 2018، حملة اعتقالات طالت الدكتور سفر الحوالي وعددًا من أفراد أسرته ومحيطه القريب، فإلى جانب اعتقاله، اعتُقل أبناؤه عبدالله وعبدالرحمن وعبدالرحيم وإبراهيم، وشقيقه سعد الله الحوالي، ومدير مكتبه الدكتور إسماعيل الحسن، وبينما أُفرج لاحقًا عن إبراهيم بعد نحو سبعة أشهر، ظل البقية معتقلين حتى اليوم، وسط أحكام مشددة وأساليب متعددة من التعذيب الممنهج.
ولم يكن اعتقال أبناء الدكتور سفر الحوالي وشقيقه ومدير مكتبه، في هذا السياق، إجراءً منفصلًا عن قضيته، بل بدا جزءًا من نمطٍ من الضغط والانتقام طال أسرته ومحيطه القريب، وحوّل صلة القرابة والعمل معه إلى أداة إضافية للتضييق عليه ومضاعفة معاناته النفسية، وقد عبّر فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي صراحةً عن قلقه إزاء ما تعرض له أفراد أسرة الحوالي من مضايقات وأعمال انتقامية، مطالبًا السلطات السعودية بضمان عدم تعرض أقاربه لأي انتقام بسبب مواقفه أو أنشطته، كما دعت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى وقف جميع أشكال الانتقام بحقه وبحق أفراد أسرته، والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها إلا أن هذه المطالبات الأممية قابلها رفض للتنفيذ من قبل السلطات السعودية الأمر الذي دعا لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في أبريل/نيسان 2026، إلى تصنيف موقف السعودية من تنفيذ توصياتها في قضية الحوالي ضمن الفئة (C) – عدم الامتثال.
مداهمة منزل الدكتور سفر الحوالي واعتقاله
في 12 يوليو/تموز 2018، اعتقلت السلطات السعودية الدكتور سفر الحوالي في أعقاب تسريب مسودة كتاب تناول فيها الأوضاع السياسية في المملكة، وانتقد عددًا من السياسات الحكومية، ووجّه نصائح إلى المجتمع والعلماء والأسرة الحاكمة.
وبحسب ما وثقته منظمة سند، نُفذت عملية الاعتقال خلال مداهمة عنيفة للمنزل شارك فيها عدد من عناصر الأمن، رافقها طرق عنيف للأبواب واقتحام المنزل، وأصيبت إحدى بنات الحوالي، وفق المعلومات التي تلقتها المنظمة، بصدمة نفسية حادة خلال المداهمة أفقدتها القدرة على النطق.
ولم تكن الحالة الصحية للدكتور الحوالي اعتيادية عند اعتقاله، فقد وثقت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة معاناته من إعاقات تؤثر في التواصل والحركة والقدرة على العناية الذاتية، من بينها تعذر الأداء النطقي المزمن، إضافة إلى كسر في الحوض وفشل كلوي يتطلب رعاية مستمرة، ووفق اللجنة، لم تكشف السلطات عن مصيره ومكان وجوده حتى 17 سبتمبر/أيلول 2018، وظل لفترات طويلة محرومًا من الزيارات العائلية والمساعدة القانونية والترتيبات التيسيرية والرعاية الطبية والتأهيلية التي تتطلبها حالته.
مطالبات أممية متكررة بالإفراج عنه ووقف الانتقام من أسرته
فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي
أصدر فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي رأيه رقم 26/2023 بشأن قضية سفر الحوالي، وخلص إلى أن حرمانه من الحرية تعسفي ويندرج ضمن الفئات الأولى والثانية والثالثة والخامسة من تصنيفات الاحتجاز التعسفي.
وأكد الفريق أن احتجازه ارتبط بممارسته السلمية لحقه في حرية الرأي والتعبير والمشاركة في الشؤون العامة، ورأى في ذلك انتهاكًا للحقوق التي تكفلها المواد 7 و19 و21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما أشار إلى حرمان الحوالي من الوصول إلى محامٍ منذ بداية احتجازه، وما ترتب على ذلك من عجزه عن الطعن بصورة فعالة في قانونية حرمانه من حريته.
كما عبّر فريق الخبراء عن قلقه إزاء التقارير المتعلقة بالمضايقة والانتقام من أفراد أسرته، وبخاصة اعتقال أقارب له باعتبار ذلك صورة من صور العقاب المرتبط بأنشطته ومواقفه، وطالب الحكومة السعودية بضمان عدم تعرض أقاربه لأي أعمال انتقامية بسبب أنشطته أو بسبب ممارستهم هم لحقوقهم.
وخلص الفريق إلى أن الإجراء الملائم هو الإفراج الفوري عن سفر الحوالي، ومنحه حقًا قابلًا للإنفاذ في التعويض وجبر الضرر، إلى جانب إجراء تحقيق مستقل في ملابسات احتجازه والانتهاكات المرتبطة به.
لجنة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة: احتجاز تعسفي وإخفاء قسري وانتهاك للحق في الصحة
في قرارها بشأن قضية الحوالي الذي اعتمدته في 19 مارس/آذار 2024، توصلت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى أن اعتقال الحوالي يرقى إلى مستوى الانتهاكات الكاملة لحقوق الإنسان.
واعتبرت اللجنة أن التأخر في الاعتراف بحرمانه من الحرية والكشف عن مكانه بلغ حد الإخفاء القسري، وأن احتجازه ومعاملته والتأخر في تقديمه للمحاكمة كانت غير مبررة وغير معقولة، ومن ثم تعسفية، كما خلصت إلى انتهاك حقه في الوصول إلى العدالة والحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة دون تمييز على أساس الإعاقة.
ورأت اللجنة كذلك أن مستوى المعاناة الناتج عن عزله المطول مسّ حقه في السلامة الجسدية والنفسية وحقه في عدم التعرض للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وطلبت اللجنة من السعودية مراجعة قضيته بما يضمن حصوله على محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة أو الإفراج عنه، كما دعت إلى وقف أعمال الانتقام بحقه وبحق أقاربه والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، ومنحه سبيل انتصاف فعال، وضمان توفير الرعاية الصحية والترتيبات التيسيرية الملائمة للأشخاص ذوي الإعاقة في أماكن الاحتجاز.
وكانت اللجنة قد تدخلت قبل قرارها النهائي، إذ طُلب من السلطات السعودية، في إطار التدابير العاجلة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020 ثم مجددًا في ديسمبر/كانون الأول 2022، اتخاذ خطوات لمنع وقوع ضرر لا يمكن تداركه، بما في ذلك الإفراج عن الحوالي وضمان حصوله على الرعاية الملائمة.
منع الخبيرة الأممية من مقابلة الحوالي في سجن الحائر
في أبريل/نيسان 2025، أجرت كلوديا ماهلر، الخبيرة المستقلة للأمم المتحدة المعنية بتمتع كبار السن بجميع حقوق الإنسان، زيارة رسمية إلى المملكة خلال الفترة من 20 إلى 30 أبريل.
وخلال زيارتها لسجن الحائر في الرياض، طلبت مقابلة سفر الحوالي وسلمان العودة، إلا أن سلطات السجن رفضت السماح لها بذلك، رغم إخطارها مسبقًا برغبتها في الاجتماع بهما، وأعربت ماهلر عن أسفها للمنع، معتبرة أن عدم تمكينها من مقابلة المحتجزين يتعارض مع الشروط المرجعية لزيارات أصحاب الولايات ضمن الإجراءات الخاصة، والتي تشمل إمكانية التواصل السري وغير الخاضع للرقابة مع الأشخاص المحرومين من حريتهم.
الأمم المتحدة تصنف موقف السعودية بعدم الامتثال
في تقرير المتابعة الذي اعتمدته حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة خلال دورتها الرابعة والثلاثين في مارس/آذار 2026، أعادت تقييم مدى تنفيذ السعودية لتوصياتها في قضيتي سفر الحوالي وسلمان العودة.
وقالت اللجنة إنها تأسف لعدم اتخاذ تدابير لتنفيذ توصياتها الفردية والعامة، وأشارت إلى عدم تقديم معلومات توضح وجود خطوات محددة لتنفيذ ما سبق أن طلبته، وبناء عليه قررت إنهاء إجراء المتابعة مع تقييم الحالة ضمن الفئة (C)، وهي الفئة التي تعني أن الدولة قدمت ردًا، لكن التدابير المتخذة لا تنفذ آراء اللجنة وتوصياتها.
وبذلك دخلت قضية سفر الحوالي عامها التاسع محاطة بسلسلة متراكمة من المواقف الأممية التي طالبت بإطلاق سراحه وحماية أسرته من الانتقام في ظل رفض السلطات السعودية كل القرارات الأممية.
اعتُقل عبدالله سفر الحوالي في يوليو/تموز 2018 أثناء حضوره حفل زفاف أحد أقاربه برفقة شقيقه، في سياق الحملة التي استهدفت الأسرة بالتزامن مع اعتقال والده.
وبحسب توثيق منظمة سند، جرى احتجازه من دون مذكرة قانونية أو توجيه تهمة محددة إليه عند اعتقاله، وتعرض لاحقًا للتعذيب الجسدي والحرمان من النوم لفترات طويلة، كما حُرم من الزيارة والتواصل المنتظم مع أسرته ومن توكيل محامٍ، قبل أن يخضع لإجراءات محاكمة افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي يونيو/حزيران 2022، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكمًا بسجنه ست سنوات، ثم شددت محكمة الاستئناف العقوبة إلى 16 عامًا ودفع تشديد الحكم عبدالله، إلى جانب شقيقيه، إلى الدخول في إضراب عن الطعام في يناير/كانون الثاني 2023 احتجاجًا على الأحكام وظروف الاحتجاز.
اعتُقل عبدالرحمن سفر الحوالي في يوليو/تموز 2018 ضمن الحملة ذاتها التي استهدفت والده وإخوته وأفرادًا من محيط الأسرة.
ووثقت منظمة سند تعرضه خلال فترة احتجازه للإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والحرمان من النوم خلال الأشهر الأولى، إضافة إلى حرمانه من زيارة أبنائه، ثم خضوعه لمحاكمة افتقرت، بحسب المعلومات المتاحة للمنظمة، إلى الضمانات الأساسية للعدالة.
وصدر بحقه في البداية حكم بالسجن سبع سنوات، قبل أن ترفع محكمة الاستئناف العقوبة إلى 17 عامًا، أي بزيادة عشر سنوات على الحكم الابتدائي، وكان عبدالرحمن من بين الأشقاء الثلاثة الذين أعلنوا في يناير/كانون الثاني 2023 إضرابهم عن الطعام احتجاجًا على تشديد الأحكام.
أكمل عبدالرحيم سفر الحوالي في يوليو/تموز 2026 ثمانية أعوام منذ اعتقاله ضمن الحملة التي طالت والده وأشقاءه وعمه ومدير مكتب والده.
وتشير المعلومات التي وثقتها سند إلى تعرض عبدالرحيم للإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والحرمان من النوم لأشهر طويلة خلال احتجازه، وفي فبراير/شباط 2020، خضع لمحاكمة سرية أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، وصدر بحقه حكم بالسجن ست سنوات، قبل أن تشدد محكمة الاستئناف العقوبة إلى 15 عامًا.
كما شارك عبدالرحيم شقيقيه عبدالله وعبدالرحمن في الإضراب عن الطعام المعلن في يناير/كانون الثاني 2023 احتجاجًا على الأحكام المشددة والانتهاكات المستمرة.
إبراهيم سفر الحوالي
كان إبراهيم الحوالي، أصغر أبناء الدكتور سفر، من بين أفراد الأسرة الذين طالتهم حملة الاعتقالات في يوليو/تموز 2018.
وبحسب ما وثقته منظمة سند، أمضى إبراهيم نحو سبعة أشهر رهن الاحتجاز دون توجيه تهمة إليه، وحُرم طوال تلك الفترة من التواصل مع عائلته. وأفرجت عنه السلطات في عام 2019 بعد تعهد عدد من كبار أفراد الأسرة بإحضاره متى طلبت السلطات ذلك.
لم يقتصر الاستهداف على أبناء الدكتور سفر، بل امتد إلى شقيقه سعد الله بن عبدالرحمن الحوالي.
ففي يوليو/تموز 2018، داهمت قوة أمنية منزله، ووفق ما وثقته سند، ضمت القوة عناصر ملثمين طوقوا المنزل واقتحموه وروّعوا أفراد أسرته قبل اقتياده إلى جهة مجهولة، وحُرم في أعقاب اعتقاله من التواصل مع أسرته والاستعانة بمحامٍ.
وتعرض سعد الله لاحقًا للاختفاء القسري، وخضع لمحاكمة سرية افتقرت إلى معايير المحاكمة العادلة، وصدر بحقه حكم بالسجن أربع سنوات، قبل أن ترفع محكمة الاستئناف العقوبة إلى 14 عامًا.
وامتدت حملة الاعتقالات التي بدأت في يوليو/تموز 2018 لتطال أيضًا الدكتور إسماعيل الحسن، مدير مكتب الدكتور سفر الحوالي.
واعتُقل الحسن بالتزامن مع سفر الحوالي وأبنائه وشقيقه، قبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 10 أعوام، ثم تُشدِّد محكمة الاستئناف العقوبة إلى 12 عامًا، بينما لاتتوفر كثير معلومات عن ظروف اعتقاله وماتعرض له.
منظمة سند تطالب بالإفراج الفوري عن سفر الحوالي وأبنائه
من جانبها تجدد منظمة سند الحقوقية إدانتها استمرار اعتقال الدكتور سفر الحوالي وأبنائه عبدالله وعبدالرحمن وعبدالرحيم، وشقيقه سعد الله الحوالي، ومدير مكتبه الدكتور إسماعيل الحسن، وترى المنظمة أن استمرار احتجازهم، رغم ما وثقته سند، وذكرته الآليات الأممية من انتهاكات جسيمة وما صدر من مطالبات صريحة بالإفراج، يمثل استمرارًا لنمط من العقاب الجماعي والانتقام .
وتطالب منظمة سند الحقوقية السلطات السعودية بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم وإلغاء الأحكام الصادرة بحقهم، وضمان حصولهم على التعويض وجبر الضرر، مع تمكين الدكتور سفر الحوالي بصورة عاجلة من الرعاية الطبية المستقلة والملائمة لسنّه وإعاقته وحالته الصحية، وضمان تواصله الكامل مع أسرته ومحاميه.
كما تطالب منظمة سند الحكومة السعودية بالتنفيذ الفوري والكامل لآراء وقرارات الآليات الأممية ذات الصلة، وفي مقدمتها رأي فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي وقرار لجنة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ووقف جميع أشكال الانتقام والمضايقة بحق الحوالي وأفراد أسرته.
وتدعو منظمة سند الأمم المتحدة، وآلياتها الحقوقية، والمنظمات الدولية والإقليمية، إلى تصعيد الضغط على السلطات السعودية وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة أو المطالبات التي ظلت لسنوات دون تنفيذ، كما تطالب بإبقاء قضية سفر الحوالي وأسرته ضمن الملفات ذات الأولوية في جميع الحوارات والآليات الحقوقية مع المملكة، واتخاذ خطوات أكثر فاعلية لدفع السلطات إلى الامتثال لقرارات الأمم المتحدة والإفراج عن المعتقلين.




