السعودية: قمع مستمر للنساء رغم الترويج للإصلاحات

شهدت السنوات الأخيرة في المملكة العربية السعودية تصاعداً غير مسبوق في استهداف النساء اللواتي يعبرن عن آرائهن أو يمارسن نشاطاً سلمياً، إذ امتدت حملات القمع لتشمل فئات مختلفة من النساء، واجهن أحكاماً قضائية قاسية وصلت إلى عقود من السجن، بناءً على تهمٍ فضفاضة تتعلق بالتعبير أو التواصل أو النشاط الاجتماعي.

لم يتوقف الأمر عند الاعتقال، بل تعرّضن لمختلف أساليب التعذيب وسوء المعاملة، ويسلّط هذا التقرير الضوء على واقع مستمر تعيشه نساء لا يزلن حتى اليوم خلف القضبان، حيث تتقاطع معاناتهن بين الإخفاء القسري، والإهمال الطبي، والاحتجاز التعسفي بسبب آرائهن أو أنشطتهن أو حتى علاقاتهن العائلية، ويكشف ذلك عن بيئة مقيدة تُمارَس فيها أشكال متعددة من التضييق على الحريات الأساسية.

وبالتوازي، تعاني النساء العاملات من ظروف عمل مجحفة تشمل الاستغلال، وحرمانهن من الأجور أو الراحة، وتقييد حريتهن في التنقل بسبب نظام الكفالة، في ظل غياب آليات حماية فعالة تضمن لهن الإنصاف والمساءلة، ويأتي ذلك في سياق أوسع من التمييز البنيوي وضعف الضمانات القانونية، بما يعكس بيئة مقيدة تُنتهك فيها الحقوق الأساسية على مستويات متعددة.

وفي مقابل هذا الواقع، برزت خلال السنوات الأخيرة جهود مكثفة لتقديم صورة مغايرة على الصعيد الدولي، من خلال الترويج لسلسلة من الإصلاحات التي تُصوَّر على أنها تحولات جوهرية في أوضاع المرأة، غير أن هذه الصورة المُعلَنة تتسم بقدر كبير من التناقض مع الواقع الفعلي، إذ لا تنعكس هذه الإصلاحات بشكل ملموس على ضمان الحقوق والحريات أو على تمكين المرأة بصورة حقيقية، ويعكس هذا التباين توجهاً نحو تحسين الصورة العامة أكثر من كونه التزاماً بإحداث تغيير حقيقي.

ويسلّط هذا التقرير الضوء على هذه التباينات من خلال توثيق الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة في المملكة، وإبراز السياق الأوسع الذي تُمارس فيه.

نساء خلف القضبان

على الأقل هناك مالايقل عن 14 امرأة في السجون السعودية بسبب مواقفهن السلمية أو تعبيرهن عن آرائهن، حيث تتنوع القضايا بين تغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة في أنشطة حقوقية، أو حتى التواصل مع أفراد من العائلة.

إذ اعتُقلت المسنّة عائدة الغامدي (67 عامًا) في مارس 2018 بسبب تواصلها مع ابنها المعارض عبدالله الغامدي المقيم في بريطانيا، وصدر بحقها حكم بالسجن لمدة 16 عامًا، كما اعتُقلت مها الحويطي في فبراير 2021 أمام أطفالها الخمسة بسبب تغريدات انتقدت فيها الأوضاع المعيشية، وحُكم عليها بالسجن 23 عامًا، وفي مايو من العام نفسه، اعتُقلت نجوى الحميد على خلفية تعبيرها عن رأيها عبر الإنترنت، ولا تزال محتجزة حتى اليوم.

وشهد عام 2021 كذلك اعتقال نورة القحطاني بسبب تغريدات طالبت فيها بالإفراج عن معتقلي الرأي، حيث صدر بحقها حكم قاسٍ بالسجن لمدة 45 عامًا مع منعٍ مماثل من السفر، وهو الحكم الأطول بحق امرأة سعودية، كما اعتُقلت الناشطة رينا عبدالعزيز في العام ذاته بسبب آرائها، وتعاني داخل السجن من إهمال طبي رغم إصابتها بمرضٍ في الرئة، وفي سياقٍ مشابه، تعرّضت آية الجهني للاعتقال منذ عام 2016، واحتُجزت في العزل الانفرادي لفترة طويلة، ولا يزال مصيرها مجهولًا رغم انتهاء محكوميتها.

وامتدت الانتهاكات لتشمل اعتقال نساء أخريات بظروف قاسية، مثل عائشة المهاجري التي اعتُقلت بسبب تعليمها القرآن في منزلها، وزانة الشهري التي لا تزال رهن الاعتقال منذ عام 2019 بسبب كتاباتها، كما اعتُقلت دلال الخليل في 2017 وسط غيابٍ تام للمعلومات حول وضعها، في حين تعرّضت أماني الزين للاختفاء القسري منذ اعتقالها في 2020 عقب نشر محتوى اعتُبر انتقادًا لولي العهد محمد بن سلمان.

وفي قضايا أخرى، اعتُقلت إسراء الغمغام بسبب مشاركتها في احتجاجات سلمية، وصدر بحقها حكم بالسجن 13 عامًا بعد مطالبات بإعدامها، كما اعتُقلت الصحفية مها الرفيدي في 2019، ورغم انتهاء مدة حكمها، لا تزال محتجزة حتى الآن، وتُضاف إلى ذلك قضية مناهل العتيبي التي اعتُقلت في 2022 وتعرضت لانتهاكات جسيمة داخل السجن، إلى جانب منال القفيري التي اعتُقلت وهي قاصر، وصدر بحقها حكم بالسجن 18 عامًا على خلفية تغريدات.

وفي ظل ادعاءات السلطات السعودية بإجراء إصلاحات في مجال حقوق المرأة، تكشف هذه الحالات عن نمط مقلق من الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في المملكة، إذ تُستخدم قوانين فضفاضة لتجريم حرية التعبير، وتُفرض أحكام قاسية وغير متناسبة، بالتزامن مع تقارير متكررة عن الإخفاء القسري وسوء المعاملة والإهمال الطبي، إضافة إلى حرمان بعض المعتقلات من حقوقهن الأساسية، بما في ذلك الإفراج بعد انتهاء مدة محكوميتهن.

المرأة السعودية في الصورة الدولية: حضور دعائي وواقع مقيد

خلال السنوات الماضية، سعت المملكة العربية السعودية إلى تكثيف جهودها لتحسين صورتها على الصعيد الدولي، في محاولة للتغطية على الانتهاكات الحقوقية، بما في ذلك تلك المتعلقة بحقوق المرأة، ومن ضمن هذه الجهود، قامت بتعيين بعض النساء المقربات من السلطة في مناصب حكومية، ضمن استراتيجية لإظهار ما يُعرف بـتمكين المرأةونقل صورة محسّنة عن وضع المرأة داخل المملكة.

كما اعتمدت السلطات على أدوات متعددة لتعزيز هذه الصورة المُحسّنة، شملت الاستثمار في قطاعات الترفيه والرياضة والثقافة، واستقطاب شخصيات عامة ومؤثرين عالميين، إلى جانب إطلاق منصات إعلامية ومحتوى موجه يروّج لرواية رسمية عن التحولات الجارية، كما برز دور المؤسسات الاقتصادية الكبرى، مثل صندوق الاستثمارات العامة، في تمويل مشاريع إعلامية دولية تُسهم في نقل صورة إيجابية عن المملكة، بما في ذلك إنتاج محتوى يركز علىقصص النجاحالمرتبطة بالنساء، مع تجاهل السياق الحقوقي الأوسع.

وفي هذا السياق، كشفت تحقيقات صحفية دولية عن وجود تعاون بين جهات سعودية ومؤسسات إعلامية عالمية لإنتاج محتوى مدفوع يسلّط الضوء على قضايا مثل تمكين المرأة، في حين يغيب أو يُهمَّش الحديث عن الانتهاكات المستمرة، وتُظهر هذه المعطيات أن تحسين الصورة لا يقتصر على الخطاب الداخلي، بل يمتد إلى الفضاء الدولي عبر شراكات إعلامية واستثمارية تهدف إلى التأثير على الرأي العام العالمي، وإعادة صياغة الانطباعات السائدة حول أوضاع حقوق الإنسان في المملكة.

ورغم هذا الجهد المنظم، يبرز تناقض واضح بين الصورة المُعلنة والواقع الفعلي، حيث تستمر التقارير الحقوقية في توثيق أنماط مقلقة غير مسبوقة من الانتهاكات بحق المرأة، تشمل الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، وسوء المعاملة، والإهمال الطبي، فضلًا عن إصدار أحكام قاسية استنادًا إلى تهم فضفاضة تتعلق بالتعبير السلمي، كما تُظهر هذه الحالات أن بعض النساء اللواتي يُحتفى بهن في الخطاب الرسمي لا يمثلن بالضرورة واقع الغالبية، بل يُستخدم حضورهن كجزء من استراتيجية أوسع لإبراز التقدم، في مقابل تغييب الأصوات المنتقدة أو المستقلة.

ويعكس هذا التباين بين الخطاب والممارسة توجّهًا نحو توظيف قضايا المرأة كأداة في السياسة الخارجية، أكثر من كونه التزامًا فعليًا بتحقيق إصلاحات بنيوية تضمن الحقوق والحريات، فبدلًا من معالجة جذور الانتهاكات، يتم التركيز على إبراز مؤشرات انتقائية للتقدم، دون توفير ضمانات قانونية ومؤسسية تحمي المرأة من التعسف أو التمييز، كما أن استمرار القيود على حرية التعبير والعمل المدني يُقوّض أي ادعاءات بتحقيق تمكين حقيقي وشامل.

وفي آخر التحقيقات التي كشفت عن أساليب غسيل السمعة كشف تحقيق لصحيفة الغارديان عن تعاون الذراع التجارية لهيئة الإذاعة البريطانية مع صندوق الاستثمارات العامة لإنتاج محتوى إعلامي يلمّع صورة المملكة على الصعيد الدولي.

ويُظهر التحقيق أن منصة BBC Storyworks أنتجت مواد إعلامية ممولة من صندوق الاستثمارات العامة، تتضمن أفلامًا ومقالات تروج لرواية رسمية عن “تمكين المرأة، ويتناول التحقيق دور صندوق الاستثمارات العامة في استخدام الاستثمارات والإنتاج الإعلامي كأداة أيضا إلى جانب الترفيه والرياضة لتعزيز النفوذ الدولي وتحسين الصورة العامة للمملكة، في سياق عملية غسيل السمعة الملطخة بالانتهاكات الحقوقية الواسعة. 

وفي السياق ذاته قال أ. فهد الغويدي الناطق الرسمي باسم منظمةسندالحقوقية: “إن منظمةسندترى أن استخدام قضايا النساء كأداة دعائية لتحسين الصورة الدولية يُعد نوعًا منغسيل السمعة، فلا يمكن الحديث عن تمكين المرأة في الوقت نفسه الذي يتم فيه اعتقال الصحفية مها الرفيدي، فالتمكين الفعلي للمرأة يتطلب أولًا الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلات، مع تقديم تعويضات عادلة لهن، بالإضافة إلى توفير ضمانات قانونية وحقوقية تحمي النساء وتضمن لهن حقوقهن الأساسية.”

وأضاف الغويدي: “هناك تناقض كبير بين ما تنشره السلطات السعودية دولياً حول تمكين المرأة، وبين ما يحدث فعلياً على أرض الواقع، فبينما تُنفق مبالغ ضخمة على حملات تحسين الصورة والسمعة الدولية، واستغلال العنصر النسوي كواجهة لهذه الحملات تواجه نساء سعوديات أحكاماً بالسجن ظالمة وقاسية جداً بسبب التعبير عن الرأي أو التواصل، مثل نورة القحطاني المحكومة بالسجن لمدة 45 عاماً، والسيدة عائدة الغامدي التي اعتُقلت وهي في سن كبيرة (67 عاماً) وحُكم عليها بالسجن لمدة 16 عاماً بسبب تواصلها مع ابنها“.

النساء العاملات في السعودية: حقوق منقوصة وحماية غائبة

تمرّ النساء العاملات في السعودية، خصوصًا العاملات المنزليات، بظروف صعبة تتسم بضعف الحماية القانونية مقارنة ببقية العمال، إذ لا تشملهن أنظمة العمل بشكل كامل، مما يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال، كما أن استمرار نظام الكفالة يقيّد حريتهن في تغيير وظائفهن أو مغادرة البلاد دون إذن صاحب العمل، وهو ما يضعهن في وضع هش ويزيد من احتمالية تعرضهن لانتهاكات متكررة، خاصة في ظل محدودية الرقابة على بيئة العمل داخل المنازل.

وتعاني العديد من هؤلاء النساء من ظروف عمل قاسية، حيث يعملن لساعات طويلة دون راحة كافية أو إجازات، وأحيانًا دون الحصول على أجورهن بانتظام، كما يواجهن أوضاعًا معيشية غير لائقة، وعزلة تامة نتيجة تقييد حركتهن أو مصادرة وسائل التواصل الخاصة بهن، ما يزيد من شعورهن بالوحدة والضعف، وفي بعض الحالات، يتعرضن لمعاملة مهينة أو عنف بأشكاله المختلفة، دون وجود آليات فعالة تضمن لهن الحماية أو الإنصاف.

وبشكل عام، تعكس هذه الأوضاع مشكلة أخرى تتعلق بغياب المساواة في الحماية القانونية التي هي الاساس حماية هشة في السعودية، إضافة إلى وجود أنماط من التمييز والعنصرية، خاصة تجاه العاملات المهاجرات، وفي ظل ضعف تنفيذ الإصلاحات المعلنة، تبقى معاناة هؤلاء النساء مستمرة، حيث تعتمد سلامتهن وكرامتهن إلى حد كبير على سلوك أصحاب العمل، بدلًا من ضمانات قانونية واضحة وعادلة تكفل حقوقهن.

مطالبات بإصلاحات جذرية لضمان حقوق المرأة في السعودية

وفي هذا السياق، تُطالب منظمةسندالحقوقية من السلطات السعودية بالتالي:

  1. الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع النساء المحتجزات بسبب ممارستهن السلمية لحقوقهن في التعبير أو النشاط المدني.
  2. مراجعة القوانين والتشريعات التي تُستخدم لتقييد حرية التعبير، وضمان توافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مع إنهاء استخدام التهم الفضفاضة.
  3. فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع ممارسات التعذيب وسوء المعاملة، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان تعويض الضحايا.
  4. ضمان الحق في الرعاية الصحية لجميع المحتجزات، ووضع آليات رقابة فعالة على أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز.
  5. إنهاء ممارسات الإخفاء القسري والكشف عن مصير جميع المختفيات قسرًا، وضمان تواصل المحتجزات مع أسرهن ومحاميهن.
  6. إصلاح نظام العمل بما يشمل العاملات المنزليات، وإلغاء أو تعديل نظام الكفالة بما يضمن حرية التنقل والعمل، وتوفير حماية قانونية متساوية لجميع العاملات.
  7. تعزيز آليات الحماية والمساءلة في قضايا العنف والاستغلال، وتوفير قنوات آمنة وفعالة لتقديم الشكاوى دون خوف من الانتقام.
  8. ضمان استقلالية المجتمع المدني والسماح للمنظمات الحقوقية بالعمل بحرية، بما يسهم في رصد الانتهاكات والدفاع عن الضحايا.
  9. مواءمة السياسات مع الالتزامات الدولية، خاصة الاتفاقيات المتعلقة بحقوق المرأة، وترجمتها إلى إجراءات عملية قابلة للقياس
  10. وقف توظيف قضايا المرأة لأغراض دعائية، والعمل على تحقيق تمكين قائم على الحقوق وسيادة القانون.
زر الذهاب إلى الأعلى