حجب عشرات الحسابات على منصة إكس: انتهاك آخر يستهدف الخطاب الحقوقي والمعارض في السعودية

تلقت منظمة سند الحقوقية عددًا من البلاغات والإفادات من نشطاء وحقوقيين ومعارضين سعوديين، أفادوا فيها بحجب حساباتهم على منصة إكس ومنع المستخدمين داخل المملكة العربية السعودية من الوصول إليها، وباشرت المنظمة توثيق الحالات المبلّغ عنها ومراجعة الإشعارات والوثائق المرتبطة بها، وتبين أن الحجب شمل عشرات الحسابات المعروفة بنشاطها الحقوقي والإعلامي والسياسي السلمي.

وبحسب ما وثقته منظمة سند، شملت الإجراءات الحساب الرسمي للمنظمة، وحساب رئيس مجلس أمنائها الدكتور سعيد الغامدي، وحساب عضو مجلس الأمناء عبد الله الغامدي، وحساب الناطق الرسمي باسم المنظمة فهد الغويدي، إلى جانب حساب الدكتور سعد الفقيه والمهندس ناصر القرني، والدكتور عبدالله العودة، والناشط السياسي عمر بن عبدالعزيز الزهراني وحساب خط البلدة،  وحساب معتقلي الرأي، وأكثر من ثلاثين حسابًا آخر لنشطاء ومعارضين وإعلاميين سعوديين.

واستندت منصة إكس في حجب هذه الحسابات وتقييد الوصول إليها داخل المملكة إلى طلب رسمي صادر عن النائب العام السعودي، تضمّن قرارًا بحجب مجموعة من الحسابات ومنع المستخدمين داخل السعودية من الوصول إليها، استنادًا إلى اتهامات بنشر محتوى اعتبرته السلطات مخالفًا للأنظمة المحلية.

وشمل الإجراء الحسابات كاملة، لا منشورات محددة بعينها، بما أدى إلى حجب المحتوى الحقوقي والسياسي والإعلامي الذي تنشره تلك الحسابات عن الجمهور داخل المملكة، ويثير ذلك مخاوف جدية من توظيف الطلبات الرسمية الموجهة إلى المنصات الرقمية في توسيع نطاق الرقابة على الخطاب المعارض والحقوقي، والحد من وصول المستخدمين إلى مصادر مستقلة للمعلومات.

امتداد لسياسة القمع في السعودية

لا يمكن فصل حجب هذه الحسابات عن البيئة العامة لحقوق الإنسان في السعودية، حيث تفرض السلطات قيودًا واسعة على حرية الرأي والتعبير، وتستخدم القوانين ذات الصياغات الفضفاضة لملاحقة المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والأكاديميين والمستخدمين العاديين لمنصات التواصل الاجتماعي.

وقد أصبح التعبير عن رأي ناقد، أو المطالبة بالإصلاح، أو مناقشة قضايا المعتقلين، أو نشر معلومات حقوقية مستقلة، أو حتى المطالبة بوظيفة، سببًا للاستدعاء أو الاعتقال أو المحاكمة وإصدار أحكام قاسية، بما فيها الحكم بالاعدام، وتُوجّه إلى أصحاب الآراء السلمية في كثير من الحالات اتهامات ترتبط بالإخلال بالنظام العام أو الإساءة إلى مؤسسات الدولة أو نشر معلومات تعتبرها السلطات مضللة، من دون تقديم تعريفات دقيقة تمنع التوسع التعسفي في تطبيق تلك الاتهامات.

وتؤدي هذه الممارسات إلى خلق مناخ واسع من الخوف والرقابة الذاتية، إذ يدرك المواطنون أن ما ينشرونه أو يعيدون نشره أو يعبرون عنه في الفضاء الرقمي قد يعرضهم للمساءلة والعقاب، ونتيجة لذلك، تقلصت بصورة شديدة مساحة النقاش العام داخل المملكة، وأصبحت المنصات الرقمية من آخر المنافذ التي تسمح بتداول معلومات وآراء خارج إطار الخطاب الرسمي.

وفي هذا السياق، يمثل حجب حسابات النشطاء المقيمين خارج السعودية محاولة لتوسيع نطاق الرقابة إلى ما وراء الحدود الجغرافية للدولة، فالسلطات، رغم عدم قدرتها المباشرة على اعتقال المعارضين في الخارج، تسعى إلى منع وصول خطابهم إلى المواطنين في الداخل، وعزلهم عن جمهورهم، والحد من قدرتهم على توثيق الانتهاكات أو مناقشة السياسات العامة.

ويندرج ذلك ضمن أنماط القمع العابر للحدود، التي تشمل ملاحقة المعارضين في الخارج، وتهديد أقاربهم داخل البلاد، واستخدام وسائل المراقبة الرقمية، وشن حملات التشهير، والضغط على شركات التقنية لإزالة المحتوى أو تقييد الوصول إليه، وتؤدي هذه الممارسات إلى تقليص المساحة الآمنة التي يمكن للمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان العمل من خلالها، حتى عندما يوجدون في بلدان تحمي حرية التعبير.

كما أن استهداف حساب منظمة حقوقية يحمل دلالة خاصة، إذ لا يقتصر على إسكات أفراد يعبرون عن آرائهم، بل يستهدف جهة تعمل بصورة منظمة على رصد الانتهاكات ونشر المعلومات والتواصل مع الضحايا وأسر المعتقلين والجهات الدولية، ومن ثم، فإن حجب حساب منظمة سند يعرقل عملها الحقوقي ويضعف قدرة الضحايا على إيصال شكاواهم إلى الرأي العام.

المساس بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات

لا تقتصر آثار الحجب على أصحاب الحسابات، بل تمتد إلى جميع المستخدمين داخل السعودية الذين يعتمدون على هذه الحسابات للحصول على معلومات مستقلة بشأن أوضاع حقوق الإنسان، وقضايا المعتقلين، والمحاكمات، والسياسات العامة.

فالحق في حرية التعبير لا يقتصر على حق الشخص في نشر المعلومات والآراء، وإنما يشمل كذلك حق الآخرين في البحث عنها وتلقيها وتداولها، وعندما تمنع السلطات الجمهور من الوصول إلى مصادر إعلامية وحقوقية مستقلة، فإنها تفرض رقابة على المعرفة نفسها، وتحد من قدرة المواطنين على تكوين آرائهم والمشاركة في النقاش العام على أساس معلومات متنوعة.

ويكتسب هذا الأمر خطورة أكبر في ظل خضوع وسائل الإعلام المحلية لقيود صارمة، وغياب مؤسسات صحفية مستقلة تستطيع التحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسؤولين، لذلك، تؤدي الحسابات الحقوقية والمعارضة دورًا مهمًا في سد جزء من الفراغ الإعلامي، ونقل شهادات المعتقلين وأسرهم، وكشف القضايا التي لا تحظى بالتغطية داخل البلاد.

ويؤدي حجب هذه الحسابات إلى تعزيز احتكار السلطات للرواية العامة، وإضعاف فرص التحقق من المعلومات الرسمية، ومنع الجمهور من الاطلاع على وجهات نظر بديلة، كما قد يعوق التواصل بين الضحايا والمنظمات الحقوقية، ويجعل توثيق حالات الاعتقال أو الإخفاء أو إساءة المعاملة أكثر صعوبة.

مسؤولية منصة إكس

تتحمل السلطات السعودية المسؤولية الأساسية عن حجب الحسابات وتقييد حرية التعبير، إلا أن ذلك لا يعفي منصة إكس من مسؤوليتها المباشرة عن الإسهام في هذه الانتهاكات عندما تستجيب لطلبات تستهدف معارضين وناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان بسبب تعبيرهم السلمي.

فمنصة إكس ليست مجرد وسيط تقني محايد، ولا يجوز لها الاحتماء بوجود طلب رسمي أو الاستناد إلى قوانين محلية فضفاضة تُستخدم بصورة متكررة لقمع الرأي المخالف، إن تنفيذ أوامر الحجب يحول المنصة من مساحة يفترض أنها للنقاش العام إلى أداة تساعد السلطات على إسكات الأصوات المنتقدة وتضييق المجال المدني.

وكان يتعين على منصة إكس التحقق من مدى توافق كل طلب مع مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، وتحديد ما إذا كان يستهدف ضررًا حقيقيًا ومحددًا، أم أنه يهدف إلى حجب خطاب سياسي وحقوقي مشروع، أما الاستجابة غير الشفافة لمثل هذه الطلبات، فتجعل المنصة شريكًا فعليًا في تقويض حرية التعبير.

إن خطاب منصة إكس المعلن بشأن الدفاع عن حرية التعبير يفقد معناه عندما تسمح باستخدام بنيتها التقنية لحجب المعارضين وإخفاء أصواتهم عن الجمهور، ولا يمكن للمنصة أن تقدم نفسها بوصفها ساحة حرة للنقاش، بينما تتعاون عمليًا مع إجراءات حكومية تعسفية تستهدف المحتوى السلمي والحقوقي.

منظمة سند تدين حجب الحسابات

تدين منظمة سند الحقوقية بأشد العبارات إقدام السلطات السعودية على حجب عشرات الحسابات الحقوقية والإعلامية والمعارضة، وتعتبر هذه الخطوة امتدادًا مباشرًا لسياسة إسكات الأصوات المستقلة وتضييق المجال العام وملاحقة المعارضين داخل المملكة وخارجها.

كما تدين منظمة سند استجابة منصة إكس لطلبات الحجب من دون إظهار أنها أجرت تقييمًا حقوقيًا مستقلًا وكافيًا، وتؤكد أن الامتثال للقوانين المحلية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للمساهمة في انتهاك الحقوق الأساسية، لا سيما عندما تستهدف الإجراءات منظمات حقوقية ومدافعين عن حقوق الإنسان وأصواتًا سياسية معارضة.

وتطالب المنظمة السلطات السعودية بإلغاء إجراءات الحجب، والكف عن استخدام الأنظمة المحلية لتجريم الانتقاد السلمي، وضمان حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والآراء المتنوعة، ووقف جميع أشكال القمع الرقمي والعابر للحدود بحق المعارضين والنشطاء، كما تطالب منصة إكس بمراجعة قرارات تقييد الحسابات بصورة عاجلة، وإعادة إتاحتها داخل السعودية.

وتدعو منظمة سند الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحرية التعبير وحقوق الإنسان والشركات والتقنية إلى متابعة القضية، ومطالبة السلطات السعودية بوقف القيود المفروضة على الفضاء الرقمي، والضغط على شركات التواصل الاجتماعي لاعتماد سياسات أكثر صرامة في مواجهة طلبات الحجب ذات الطابع السياسي.

وتؤكد المنظمة أن حماية حرية التعبير في الفضاء الرقمي مسؤولية مشتركة، وأن أي تعاون بين الحكومات وشركات التقنية يؤدي إلى إسكات المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان يمثل تهديدًا خطيرًا للحقوق والحريات، فحين تتحول المنصات التي يفترض أن تتيح تداول الأفكار إلى أدوات لتنفيذ الرقابة الحكومية، يصبح القمع أكثر اتساعًا، ويُحرم الضحايا من إيصال أصواتهم، ويُحجب عن المجتمع جانب أساسي من الحقيقة.

زر الذهاب إلى الأعلى