معتقلو الإمارات في السعودية: انتهاكات مستمرة وأحكام مشددة

في ظل تعدد أسباب الاعتقال في السعودية، والتي تندرج في معظمها ضمن قمع حرية التعبير وملاحقة الآراء والمواقف الشخصية والسياسية، تبرز قضية معتقلي الإمارات في المملكة العربية السعودية باعتبارها واحدة من القضايا الحقوقية التي تكشف اتساع دائرة التجريم لتشمل التعبير عن الرأي في قضايا إقليمية، أو انتقاد سياسات دول حليفة، أو إبداء مواقف لا تتوافق مع المزاج السياسي السائد.

ويُقصد بمعتقلي الإمارات في السعودية أولئك الذين اعتقلتهم السلطات السعودية على خلفية انتقادهم الإمارات أو مواقف منسوبة إليهم تجاه سياساتها، ليجدوا أنفسهم أمام سنوات طويلة من السجن والعزلة، تجاوزت لدى بعضهم عشرة أعوام خلف القضبان، ورغم أن العلاقات السعودية الإماراتية مرّت خلال السنوات الماضية بمراحل من التقارب والتحالف، كما شهدت في أوقات أخرى فترات من التوتر والشد والجذب، فإن أوضاع هؤلاء المعتقلين بقيت على حالها، دون أن ينعكس أي تغير سياسي على مصيرهم، أو يؤدي إلى الإفراج عنهم، أو حتى التخفيف من آثار الاعتقال عليهم وعلى أسرهم.

كما أن اعتقال هؤلاء يؤكد ماهو مؤكد من أن الاعتقال في السعودية لا يرتبط بخطر قانوني حقيقي أو جريمة محددة، بقدر ما يرتبط باستخدام السلطة الأمنية لمعاقبة الرأي وردع التعبير، ومن خلال هذا التقرير، تسلط منظمة سند الحقوقية الضوء على قضية معتقلي الإمارات في السعودية، وعلى ما تمثله من انتهاك واضح لحرية الرأي والتعبير، وحق الأفراد في المحاكمة العادلة، والكرامة الإنسانية.

وفي هذا السياق، قال الناطق الرسمي باسم منظمة سند الحقوقية، الأستاذ فهد الغويدي، إن قضية معتقلي الإمارات في السعودية تكشف مفارقة صارخة في تعامل السلطات مع حرية التعبير، موضحًا أن العلاقة السعودية الإماراتية مرّت خلال السنوات الأخيرة بمراحل من التقارب والتوتر، وبلغت في بعض الأوقات حدّ التراشق العلني بين الطرفين، ومع ذلك لم يُحاسب أي طرف رسمي على تلك المواقف، بينما يجد المواطن نفسه معرضًا للاعتقال والمحاكمة إذا عبّر منفردًا عن رأي مشابه أو انتقد سياسات دولة أخرى.

وأضاف الغويدي أنالمعيار ليس الإساءة، بل من يملك سلطة وحق الإساءة، مشيرًا إلى أن تجريم انتقاد دولة أخرى تحت مسمىإهانة دولة صديقةيثبت أن دائرة القمع في السعودية لم تعد تقتصر على الشأن الداخلي، بل امتدت لتشمل المواقف من القضايا الإقليمية وسياسات الدول الحليفة، كما لفت إلى أن هذا المعيار انتقائي بطبيعته، إذ قد يكون الموقف الواحد مقبولًا أو حتى مُكافأً عليه في وقت ما، ثم يصبح سببًا للعقوبة والسجن في وقت آخر، تبعًا لتقلبات العلاقات السياسية لا استنادًا إلى نص قانوني واضح وعادل.

وأكد الغويدي أن جوهر هذه القضية يتمثل في غياب أي مساحة آمنة للتعبير السلمي الحر عن الرأي، الأمر الذي يجعل الأفراد، حتى أولئك الذين يظنون أنهم يعبّرون عن مواقف منسجمة مع توجهات السلطة، عرضة للوقوع في فخ الأهواء السياسية المتغيرة، وشدد على أن واجب منظمة سند الحقوقية هو الدفاع عن المظلومين والتذكير بقضاياهم والسعي إلى تخفيف الأذى عنهم، مؤكدًا أن مطلب المنظمة واضح ويتمثل في الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي الرأي، ووقف تجريم التعبير السلمي، سواء تعلّق بالشأن الداخلي أو بمواقف تجاه سياسات دول أخرى.

الدكتور محمد الحضيف: أكثر من عشر سنوات خلف القضبان بسبب انتقاد الإمارات

في 19 مارس/آذار 2016، عاد الدكتور محمد الحضيف من تركيا إلى السعودية، ليجد قوات الأمن السعودي بانتظاره في مطار الملك خالد بالرياض، حيث جرى اعتقاله فور وصوله، ومنذ ذلك التاريخ، مرّت أكثر من عشر سنوات ولا يزال خلف القضبان.

جاء اعتقال الحضيف على خلفية آرائه ومقالاته وتصريحاته الإعلامية التي انتقد فيها الإمارات، حيث وجّهت إليه السلطات السعودية تهمةإهانة دولة صديقة، واعتبرت ذلك إضرارًا بمصلحة البلاد.

وفي يونيو/حزيران 2018، صدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات، تليه خمس سنوات من المنع من السفر، لكن الحكم لم يتوقف عند ذلك، إذ كشفت مصادر حقوقية في 16 فبراير/شباط 2021 عن نقض الحكم السابق واستبداله بحكم أشد يقضي بسجنه تسع سنوات، قبل أن يُغلَّظ الحكم مرة أخرى في سبتمبر/أيلول 2021 ليصل إلى 13 عامًا.

ولم تقتصر معاناة الحضيف على الأحكام القضائية المشددة والمحاكمة السرية، بل امتدت إلى انتهاكات جسيمة داخل السجن، شملت التعذيب والضرب والصعق بالكهرباء، ووضعه مع مرضى نفسيين، إضافة إلى حرمانه من الرعاية الصحية اللازمة.

وفي مارس/آذار 2021، خاض الحضيف إضرابًا عن الطعام استمر ثمانية أيام احتجاجًا على سوء المعاملة والتعذيب الذي تعرض له في سجن الحائر بالرياض، بما في ذلك احتجازه مع مرضى نفسيين، في ظروف عرّضت حياته وسلامته للخطر.

وبعد أكثر من عقد على اعتقاله، لا يزال الدكتور محمد الحضيف يعاني من أمراض متعددة تتفاقم في ظل الإهمال الطبي المتعمد، بينما يستمر احتجازه بسبب تعبيره عن رأيه وانتقاده للإمارات.

اعتقال الدكتور علي التواتي في السعودية بسبب تغريدات انتقدت سياسات الإمارات

في أواخر عام 2021 اعتقلت السلطات السعودية الدكتور علي التواتي القرشي، الكاتب والمحلل الاقتصادي والاستراتيجي البارز  بسبب تغريدات عبّر فيها عن انتقاده لسياسات دولة الإمارات العربية المتحدة، ولم ترد أي معلومات عنه منذ ذلك الحين.

يذكر أن الدكتور التواتي من الشخصيات الأكاديمية والعسكرية المرموقة في السعودية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد الإقليمي والمالية العامة من جامعة سيراكيوز الأمريكية، وتولى مناصب قيادية في وزارة الدفاع.

عصام الزامل: 15 عامًا في السجن بتهم من بينها الإساءة إلى الإمارات

في سبتمبر 2017، وأثناء عودته من مؤتمر دولي في الولايات المتحدة الأمريكية، اعتقلت السلطات السعودية الخبير الاقتصادي عصام الزامل، ولا يزال رهن الاعتقال حتى اليوم.

ومن بين التهم التي وُجهت إليه: الإساءة إلى دولة الإمارات وقيادتها، وقد حُكم عليه بالسجن لمدة 15 عامًا، فيما تعرّض خلال فترة احتجازه لعدد من الانتهاكات، من بينها الحبس الانفرادي المطوّل.

كما منعت السلطات السعودية جميع أفراد عائلته من السفر، على غرار ما تعرّضت له عائلات كثير من معتقلي الرأي، في ممارسة تُعدّ وجهًا آخر من أوجه القمع والاستبداد.

هيئة تنظيم الإعلام تُحيل مواطنًا إلى النيابة بتهمة الإساءة إلى الإمارات في مساحة صوتية

استدعت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في السعودية مواطنًا قالت إنه أساء إلى «دولة شقيقة» — في إشارة إلى الإماراتوذلك خلال مشاركته في مساحة صوتية متداولة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، وأعلنت الهيئة استكمال الإجراءات النظامية بحقه، وإحالته إلى النيابة العامة، باعتبار ما نُسب إليه مخالفةً لنظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.

وتداولت أنباء أن الشخص الذي جرى استدعاؤه هو المستشار في وزارة الإعلام، حسين الشمري، وأنه اعتُقل لاحقًا، غير أنه لم يتسنَّ لمنظمة سند الحقوقية التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه الأنباء، أو من هوية الشخص المعني في بيان الهيئة.

مطالب منظمة سند الحقوقية بشأن معتقلي الإمارات في السعودية

تكشف قضية معتقلي الإمارات في السعودية عن اتساع دائرة القمع وتحوّل التعبير السلمي عن الرأي في السعودية، حتى في القضايا الإقليمية أو تجاه سياسات دول أخرى، إلى سبب للاعتقال والمحاكمة وإصدار الأحكام المشددة، فحالات الدكتور محمد الحضيف، والدكتور علي التواتي، وعصام الزامل، وغيرها من الحالات، تعكس نمطًا واضحًا من استهداف أصحاب الرأي بسبب مواقفهم وانتقاداتهم، بعيدًا عن أي جريمة حقيقية تستوجب العقاب.

كما تُظهر هذه القضايا أن الانتهاك لا يتوقف عند حدود الاعتقال، بل يمتد إلى المحاكمات غير العادلة، والتعذيب وسوء المعاملة، والإهمال الطبي، والحبس الانفرادي، وفرض قيود على العائلات، بما يحوّل العقوبة إلى أداة انتقام جماعي، ويؤكد استمرار احتجاز هؤلاء المعتقلين، رغم مرور سنوات طويلة، أن السلطة الأمنية والقضائية تُستخدم لإسكات الأصوات المستقلة وردع المجتمع عن ممارسة حقه في التعبير.

وعليه، تدعو منظمة سند الحقوقية السلطات السعودية إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي الرأي، وفي مقدمتهم معتقلو الإمارات، والكفّ عن تجريم التعبير السلمي عن الرأي، كما تطالب بضمان مساءلة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا وأسرهم وتعويضهم، واحترام الكرامة الإنسانية، وحماية حرية الرأي والتعبير في السعودية.

زر الذهاب إلى الأعلى