
السلطات السعودية تحجب حسابات معارضين على تيك توك وسناب شات وميتا وتوجّه طلبًا رسميًا إلى إكس لحجب حسابات معارضة
حملة سعودية متصاعدة لإسكات الأصوات المعارضة عبر منصات التواصل الاجتماعي
تعرب منظمة سند الحقوقية عن قلقها البالغ إزاء التوسع المتزايد في القيود المفروضة على حرية التعبير الرقمي في المملكة العربية السعودية، خاصة مع تكرار حذف أو تقييد حسابات معارضين وناشطين وصحفيين على منصات التواصل الاجتماعي، وترى المنظمة أن الفضاء الرقمي بات من آخر المساحات المتاحة للأصوات المستقلة، في ظل التضييق المستمر على الإعلام التقليدي وانحسار المجال العام.
وقد رصدت المنظمة خلال الفترة الأخيرة نمطًا متصاعدًا من الاستهداف الرقمي شمل عددًا من أبرز منصات التواصل الاجتماعي، بدءًا من تيك توك، مرورًا بمنصات شركة ميتا، بما فيها فيسبوك وإنستغرام، ثم سناب شات، وصولًا إلى منصة إكس، ويشير هذا التدرج في الحجب والتقييد إلى نهج منظم يهدف إلى السيطرة على الخطاب العام عبر الإنترنت، والحد من قدرة المعارضين والناشطين على إيصال آرائهم إلى الجمهور.
ولا يقتصر هذا القمع الرقمي على ملاحقة الأفراد أو إسكات الحسابات المعارضة فحسب، بل يمتد أثره إلى حرمان المستخدمين داخل السعودية من الوصول إلى محتوى نقدي أو إصلاحي سلمي، وبذلك، تتحول إجراءات الحجب والإغلاق إلى أداة لتقليص مساحة النقاش العام، وإضعاف الحق في تداول المعلومات، ومنع الأصوات المستقلة من المشاركة في الحوار العام.
وتؤكد منظمة سند الحقوقية أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صريحًا للحق في حرية الرأي والتعبير، بما يشمل حرية التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها عبر مختلف الوسائل ودون اعتبار للحدود، وفقًا للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما تتعارض هذه الإجراءات مع المادة 32 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، التي تكفل الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير وحرية طلب المعلومات وتلقيها ونقلها بأي وسيلة.
أولًا: تيك توك
شكّلت منصة تيك توك إحدى المحطات الأولى في هذه الحملة الرقمية، إذ رصدت منظمة سند حجب حسابات المعارضين السعوديين على المنصة بصورة واسعة وشبه شاملة لكل حسابات النشطاء في الخارج، ومنع وصوله إلى الجمهور داخل المملكة.
ولم يتلقَّ أصحاب الحسابات المستهدفة أي إشعار رسمي أو بريد إلكتروني يوضح أسباب الحجب أو الجهة التي طلبته أو النص القانوني الذي استند إليه، وبدلًا من ذلك، اكتشفوا الإجراء بصورة مفاجئة عندما تبيّن أن حساباتهم لم تعد متاحة للمستخدمين داخل السعودية، دون أي تفسير أو آلية شفافة للطعن أو الاعتراض.
ثانيًا: شركة ميتا
لم تكن منصات ميتا، بما في ذلك فيسبوك وإنستغرام، بمعزل عن هذه الحملة، فقد طال الحجب حسابات من بينها حساب ناصر القرني وحساب خط البلدة، وغيرها، في خطوة تندرج ضمن النمط ذاته القائم على تقليص وصول الأصوات الإصلاحية والحقوقية إلى الجمهور داخل المملكة.
وكما في الحالات السابقة، جرى الحجب دون إشعار مسبق للمعنيين، ودون تزويدهم بأسباب واضحة أو تمكينهم من حقهم في الاعتراض، وهذا يثير مخاوف جدية بشأن مدى امتثال شركات التكنولوجيا لمسؤولياتها الحقوقية، لا سيما عندما تنفّذ طلبات حكومية صادرة عن أنظمة معروفة بتوظيف قوانين فضفاضة لقمع حرية التعبير.
وبموجب مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، تتحمل الشركات مسؤولية مستقلة في احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك إجراء العناية الواجبة الحقوقية، وتقييم أثر قراراتها على المستخدمين، وتوفير سبل تظلّم فعالة عند وقوع ضرر.
ثالثًا: سناب شات
امتدت الحملة إلى منصة سناب شات، حيث طال الحجب حسابات ناشطين بارزين، من بينهم عمر بن عبدالعزيز، وناصر القرني، ومشعل البراق، وغيرهم، ووجد أصحاب هذه الحسابات أنفسهم أمام حجب مفاجئ عن المستخدمين داخل المملكة، دون إشعار مسبق، ودون رسالة رسمية توضّح الأساس القانوني للإجراء أو الجهة التي طلبته.
وتكمن خطورة هذا النمط في أنه لا يستهدف محتوى بعينه ثبتت مخالفته لمعايير واضحة ومحددة، بل يستهدف حضورًا رقميًا كاملًا لأشخاص يُعرفون بآرائهم المعارضة أو الإصلاحية، وهذا يعني أن الحجب تحوّل من أداة لمعالجة محتوى محدد إلى أداة لعقاب الهوية السياسية والحقوقية لصاحب الحساب.
كما أن غياب الشفافية والحق في الاعتراض يجعل هذه الإجراءات تعسفية بطبيعتها، لأنها تحرم الأفراد من معرفة سبب تقييدهم، وتحرم الجمهور داخل السعودية من حقه في الوصول إلى معلومات وآراء متنوعة.
رابعًا: منصة إكس
أما في حالة منصة إكس، فتُظهر الإيميلات التي تلقّاها عدد من النشطاء، أن السلطات السعودية وجّهت طلبًا رسميًا إلى المنصة لحجب عدد من الحسابات ومنع وصول المستخدمين إليها من داخل المملكة العربية السعودية، إلا أن منصة إكس لم تنفّذ هذا الطلب حتى الآن.
وتُظهر الوثائق المتوفرة لدى منظمة سند أن الطلب يستند إلى قرار صادر عن النيابة العامة السعودية، مكتب النائب العام، يقضي بحجب الحسابات الواردة في البيان المرفق على منصة إكس، ومنع وصول المستخدمين إليها من داخل المملكة، كما يشير القرار إلى أن المحتوى المنشور في تلك الحسابات عُدّ مخالفًا لأنظمة المملكة، بالاستناد إلى نظام مكافحة جرائم المعلوماتية، ولا سيما النصوص التي تجرّم ما يُوصف بـ“المساس بالنظام العام” أو “القيم الدينية” أو “الآداب العامة”.
نظام مكافحة جرائم المعلوماتية: أداة قانونية لقمع التعبير
تعتمد السلطات السعودية في كثير من حالات الحجب والملاحقة الرقمية على نظام مكافحة جرائم المعلوماتية بوصفه إطارًا قانونيًا يتيح تجريم أشكال واسعة من التعبير على الإنترنت، كما أن نصوصه صيغت بعبارات عامة وفضفاضة تسمح بتوسيع نطاق التجريم ليشمل التعبير السلمي والآراء النقدية والمحتوى الحقوقي أو السياسي المستقل.
وتحت هذه المادة اعتقلت السلطات السعودية مئات من المواطنين السعوديين ، وحكمت عليهم بالسجن لعشرات السنين، وتجرم حالياً أي عملية للتعبير السلمي في السعودية، حتى وإن كانت تغريدة فقد يواجهه كاتبها السجن لسنوات طويلة أو الاعدام كما جرى مع الصحفي تركي الجاسر.
وبذلك لا يقتصر أثر النظام على ملاحقة الجرائم المعلوماتية بالمعنى الضيق، بل يمتد إلى خلق بيئة ردع ورقابة ذاتية، إذ قد يتجنب الأفراد والصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان نشر آراء أو معلومات مشروعة خشية أن تُفسَّر بوصفها مساسًا بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة، وهذا الاستخدام الواسع للنصوص الجنائية يجعل القانون أداة قابلة لتقييد المجال العام الرقمي بدلًا من أن يكون وسيلة محددة لمكافحة الأفعال الضارة بوضوح.
مسؤولية منصات التواصل: لا حياد أمام القمع
إن امتثال منصات التواصل الاجتماعي لطلبات حجب أو تقييد صادرة عن بيئات قانونية قمعية، مثل السعودية، لا يمكن النظر إليه باعتباره مسألة إجرائية أو قانونية محايدة، فالحجب الجغرافي للحسابات أو المنشورات قد يساوي، في أثره العملي، الحذف الكامل عندما يؤدي إلى حرمان الجمهور المعني مباشرة من الوصول إلى خطاب حقوقي أو سياسي مشروع.
ولا يكفي أن تتذرع هذه الشركات بأنها تنفذ أوامر حكومية محلية، إذ إن التزاماتها المعلنة في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير تفرض عليها تقييم الطلبات الحكومية ليس فقط من زاوية الامتثال الشكلي للقانون المحلي، بل أيضاً وفق معايير الضرورة والتناسب، ومدى انسجام الطلب مع المعايير الدولية، وأثره على المستخدمين والجمهور المستهدف.
وتؤكد مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان أن مسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان مسؤولية مستقلة عن واجبات الدول، وتشمل بذل العناية الواجبة لتحديد الآثار السلبية المحتملة أو الفعلية، ومنعها أو التخفيف منها، ومعالجة ما قد تسهم فيه الشركة من أضرار، كما تنص مبادئ المبادرة العالمية للشبكة على أن شركات التقنية ينبغي أن تسعى إلى تجنب القيود الحكومية على حرية التعبير أو تقليل أثرها عندما لا تنسجم مع المعايير الدولية.
وتزداد أهمية هذه المسؤولية عندما يتعلق الأمر بمدافعين عن حقوق الإنسان أو صحفيين أو ناشطين سياسيين سلميين، فسياسات المنصات نفسها تقر بأن هذه الفئات تواجه مخاطر خاصة، وأن عليها توفير حماية إضافية لها.
وعليه، فإن تنفيذ طلبات الحجب الصادرة عن سلطات تعمل ضمن بيئة قمعية من دون فحص مستقل، ومن دون شفافية كافية، ومن دون سبيل فعلي وفعّال للاعتراض، قد يجعل المنصة مسهمة في تقويض حرية التعبير، ولا يعفيها الامتثال للقانون المحلي من واجب اختبار مدى توافق الطلب مع المعايير الدولية، ومقاومة الطلبات الواسعة أو ذات الطابع السياسي، والإفصاح عن أساس الحجب ونطاقه وتداعياته، ولا سيما عندما يكون الخطاب المستهدف خطاباً حقوقياً أو سياسياً مشروعاً.
موقف منظمة سند الحقوقية ومطالبها
وترى منظمة سند أن حجب حسابات المعارضين والناشطين السعوديين عبر منصات التواصل الاجتماعي ليس إجراءً معزولاً، بل يندرج ضمن سياسة ممنهجة تستهدف إغلاق المجال العام وتجفيف مصادر المعلومات المستقلة، وحرمان المواطنين داخل المملكة من حقهم في الاطلاع على الآراء المعارضة والخطاب الحقوقي.
وبناءً على ذلك، تطالب منظمة سند بما يلي:
أولاً، على منصات التواصل الاجتماعي أن ترفض الخضوع للضغوط السعودية الرامية إلى حجب حسابات المعارضين والناشطين، وأن تُعيد النظر في قراراتها السابقة برفع الحجب عن كل حساب طُوِّق بسبب آراء سلمية مشروعة.
ثانياً، على السلطات السعودية أن تكفّ عن توظيف القوانين الرقمية أداةً لكتم الأصوات الناقدة وملاحقة المعارضين والصحفيين والناشطين بسبب تعبيرهم السلمي.
ثالثاً، تدعو منظمة سند المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى مضاعفة الضغط على الرياض لوقف هذه الممارسات التعسفية.
حرية التعبير ليست منحة تمنحها السلطات السعودية متى شاءت وتسلبها متى شاءت، بل حق أصيل لا يجوز تقييده، وما تمارسه الرياض اليوم من حجب رقمي ممنهج لا يندرج ضمن صون النظام العام، بل ضمن قمع الرأي العام وإحكام القبضة على كل صوت يجرؤ على المطالبة بالتغيير.




